ابن الجوزي
378
كشف المشكل من حديث الصحيحين
فالجواب من أوجه : أحدها : أنه قد قيل إنه منسوخ بنهيه بعد ذلك عن البول قائما . والثاني : أنه كان لمرض منعه القعود ، قال أبو هريرة : بال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قائما من جرح كان بمأبضه ( 1 ) . وقال الزجاج : المأبض : باطن الركبة ( 2 ) . والثالث : أنه استشفى بذلك من مرض كان به . قال الشافعي : كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما . والرابع : أنه يحتمل أن يكون البول أعجله ولم يجد سوى ذلك المكان ، ولم يتمكن من القعود لكثرة الأنجاس فيه ( 3 ) . فإن قيل : كيف قال لحذيفة : « ادن » وكان إذا أراد الخلاء أبعد ؟ فالجواب أن السباطة تكون في الأفنية ، فأراد أن يستتر به من الناس . وفي رواية : كان أبو موسى يشدد في البول ، ويبول في قارورة ( 4 ) ، فأورد حذيفة هذا الحديث ليسهل الأمر عليه . وإنما كان تشديد أبي موسى لأنه قد سمع التحذير من الأنجاس ، وقد صح عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنه قال في القبرين : « إنما ليعذبان ، وما يعذبان في كبير ، كان أحدهما لا يستتر في بوله » ( 5 ) . ولعمري إن الاحتراز حسن ، لكنه ينبغي أن يكون بمقدار . وقد رأينا في زماننا من يشدد في هذا تشديدا يعود بضد
--> ( 1 ) « المجموع المغيث » ( 1 / 216 ) ، و « النهاية » ( 1 / 15 ) . ( 2 ) « خلق الإنسان » ( 48 ) . ( 3 ) ينظر « الاستذكار » ( 1 / 107 ) ، و « ناسخ الحديث » ( 77 ) ، و « نيل الأوطار » ( 1 / 107 ) . ( 4 ) في الحديث نفسه . ( 5 ) البخاري ( 218 ) ، ومسلم ( 292 ) .